محمد حسين هيكل
286
حياة محمد ( ص )
رغبا في مغانم الحرب بعد أن أصبحت قبائل العرب كلها لا تثبت أمام غزو المسلمين فتسلم لهم وتؤدّي إليهم الجزية عن يد وهي صاغرة ، ورهبا من هذه القوّة التي تضرب أمامها كل قوة ، ويخشى سلطانها كلّ ملك . فأمّا الأوّلون فأقبلوا يلبون دعوة رسول اللّه خفافا مسرعين . ومنهم الفقير الذي لا يجد الدابّة يحمل نفسه عليها ، ومنهم الغنيّ ماله بين يديه يقدّمه في سبيل اللّه راضية نفسه طامعا في الاستشهاد والانحياز إلى جوار اللّه ، وأمّا الآخرون فتثاقلوا وبدؤا يلتمسون الأعذار ، وجعلوا يتهامسون فيما بينهم . ويهزؤن بدعوة محمد إيّاهم لهذا الغزو النائي في ذلك الجوّ المحرق . هؤلاء هم المنافقون الذين نزلت فيهم سورة التوبة ، وفيها أعظم دعوة للجهاد وأشدّ تخويف من عذاب اللّه يصيب من تخلف عن إجابة رسوله . قال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحرّ ؛ فنزل قوله تعالى : ( وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ . فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) « 1 » . قال محمد للجدّ بن قيس أحد بني سلمة : « يا جدّ ، هل لك العام في جلاد بني الأصفر ؟ » . فقال : « يا رسول اللّه ، أو تأذن لي ولا تفتنّي ، فو اللّه لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشدّ عجبا بالنساء مني . وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألّا أصبر » ( وبنو الأصفر هم الروم ) . فأعرض عنه رسول اللّه . وفيه نزلت هذه الآية : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) « 2 » . وانتهز الذين تنطوي قلوبهم على بغضاء محمد هذه الفرصة ليزيدوا المنافقين نفاقا وليحرّضوا الناس على التخلّف عن القتال . هؤلاء لم ير محمد أن يتهاون معهم خيفة أن يستفحل أمرهم ، ورأى أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . بلغه أن ناسا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهوديّ ، يثبطون الناس ويلقون في نفوسهم التخاذل والتّخلف عن القتال ؛ فبعث إليهم طلحة بن عبيد اللّه في نفر من أصحابه ، فحرّق عليهم بيت سويلم ، ففرّ أحدهم من ظهر البيت فانكسرت رجله ، واقتحم الباقون النار فأفلتوا ، ولكنهم لم يعودوا لمثلها ، ثم كانوا مثلا لغيرهم ، فلم يجرؤ أحد بعدهم على مثل فعلهم . تجيز جيش العسرة وقد كان لهذه الشدّة في أخذ المنافقين ومن معهم أثرها ؛ فقد أقبل الأغنياء وذوو اليسار فأنفقوا نفقة عظيمة لتجهيز الجيش . أنفق عثمان بن عفّان وحده ألف دينار ، وأنفق كثيرون غيره ، كلّ في حدود طاقته . وتقدّم كلّ قادر على نفقة نفسه بعدّته ونفقته . وأقبل كثيرون من الفقراء يريدون أن يحملهم النبيّ معه ، فحمل منهم من استطاع ، واعتذر إلى الباقين وقال : لا أجد ما أحملكم عليه ، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون . ولبكائهم هذا أطلق عليهم اسم البكّائين . واجتمع لمحمد في هذا الجيش . الذي سمّي جيش العسرة لشدة ما لاقى منذ يوم تكوينه ، ثلاثون ألفا من المسلمين . اجتمع الجيش وقام أبو بكر فيه يؤمّ الناس للصلاة في انتظار عود محمد من تدبير شؤون المدينة في أثناء غيبته . وقد استخلف عليها محمد بن مسلمة وخلّف عليّ بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم ، وأصدر ما رأى أن يصدر من الأوامر ، ثم عاد إلى الجيش يتولّى قيادته . وكان عبد اللّه بن أبيّ قد خرج في جيش من قومه يسير به إلى جانب جيش محمد . لكنّ النبيّ رأى أن يظلّ عبد اللّه وجيشه بالمدينة ، لأنه كان بعد ضعيف الثقة به وبصحة إيمانه . وأمر فتحرّك الجيش ، وثار النقع ، وصهلت الخيل ، وارتقت نساء المدينة سقفها
--> ( 1 ) سورة التوبة آيتا 81 و 82 . ( 2 ) سورة التوبة آية 49 .